محمد غازي عرابي

1167

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

بذاته ، وقيامه بالحق ، وكونه هو مرآة الحق ، وهذه المرآة الجامعة هي الحقيقة المحمدية التي تحدثنا عنها مرارا ، فكان محمد صورة ربه الكلية ، وما رآه محمد في ليلة القدر فناءه كنفس جزئية ، وتحققه بالإنسان النوعي الشمولي ، المتجلي الحق به وله فاستتم للبدر نوره الذي استمده من ضياء شمس الذات فكان بدرا عكس كامل الأنوار ، فليس في الوجود إلا الحق والمرآة ، أي اللّه والحقيقة المحمدية ، وبعد إتمام هذه الدورة الوجودية يستوي الحق مشهودا ، مثلما كان قد استوى شاهدا ، فهو الشاهد والمشهود ، وهذه هي حقيقة القيامة ، يوم يقوم الحق بذاته لذاته ، فلا وجود إلا للحي القيوم وارث كل شيء . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 12 إلى 13 ] إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ( 13 ) [ البروج : 12 ، 13 ] البطش الإلهي نفاذ حكمه وقضائه في السماوات والأرض ، ونفاذه يكون عن طريق الفكر ، ولما كان الفكر متناقضا ، ونجوى للخير والشر ، كان في البطش الإلهي لطف لا يعيه إلا العالمون ، وممن وعاه أبو يزيد البسطامي القائل بطشي أشد من بطش اللّه ، وذلك نظرا إلى كون الإنسان تمظهر صفة البطش من جانب واحد ، وهو جانب الشدة فقط كما يعني مدلول البطش نفسه . واللّه يبدئ ويعيد ، والبدء طبع الإنسان بالصفة ، فللصفة المحل الأول وللإنسان المحل الثاني ، وكلاهما محلان للّه وتعينان ، فتعين الصفة عقلي ، وتعين الإنسان هيكلي جسدي ، فإذا جاء أجل الإنسان جاء أجل الصفة أيضا كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم في معاذ بن جبل لما قبض : ( هكذا يقبض العلم ) ، فلو لم يخلق اللّه الأنبياء والأولياء الوراثين ما كان لعلمه أن يظهر ، ولبقي كنزا مخفيا . أما الإعادة فعودة إلى زرع الصفة في هيكل جديد ، إذ قلنا إن المعقولات ثابتة خالدة خلود اللّه عز وجل ، وقلنا إنها موجودة به لا بذاتها ، فهي ليست هو ، وهي ليست هي ، وهي به ، وهو بذاته يبدئ ويعيد في مظهر بعد مظهر . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 14 إلى 22 ] وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 14 ) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ( 15 ) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ( 19 ) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) [ البروج : 14 ، 22 ] سمى اللّه نفسه الودود ، والود شدة المحبة ورسوخها ، وهذه صفة الرحمن الذي على العرش استوى بالحب ، ولولا الحب ما خلق الوجود ولا استوى ، قال ابن عربي : الود ثبات الحب ، أو العشق ، أو الهوى ، أيه حالة كانت من أحوال هذه الصفة ، فإذا ثبت صاحبها